السيد كمال الحيدري

287

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

والصراع تأتى في طليعة خصائص عالم المادّة . فعالم المادّة ممتلئ بالتزاحم ، فالماء يزاحم النار والنار تزاحم الماء ، والحيّات والعقارب والحشرات السامّة تزاحم بسمومها وجود الإنسان ، والإنسان يزاحم بفعاله وجود الحيوانات ، ويضرّ بها عبر تصرّفاته بالبيئة والطبيعة . ومعنى ذلك أنّ الشرور هي من لوازم وجود المادّة ، وعالم المادّة هو المنطقة التي تتحرّك في مداها ظاهرة الشرور ، على ما يشير إليه النصّ الفلسفي التالي : « فمجال الشرّ ومداره هو عالم المادّة الذي تتنازع فيه الأضداد وتتمانع فيه مختلف الأسباب ، وتجرى فيه الحركات الجوهرية والعرضية التي يلازمها التغيّر من ذات إلى ذات ومن كمال إلى كمال . والشرور من لوازم وجود المادّة القابلة للصور المختلفة والكمالات المتنوّعة المتخالفة . . . وبهذا تبيّن أنّ عالم التجرّد التامّ لا شرّ فيه » « 1 » . تخلص هذه الرؤية إلى أنّ أىّ وجود في نفسه هو خير محض لا وجود للشرّ فيه ، أو هو بحسب التعبير القرآني موجود على أحسن وجه وأتقنه ، كما يدلّ عليه قوله سبحانه : الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ « 2 » وقوله : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ « 3 » . ولكن عندما تدخل هذه الموجودات في دائرة التضادّ والتزاحم يبرز الشرّ الذي يتمثّل بكون بعض الموجودات مانعاً لوجود آخر من أن يصل إلى كماله أو أنّه يعدم أصل الوجود الآخر . هذه النتيجة هي التي عبّرت عنها اللغة الفلسفية فيما ذهبت إليه من أنّ الشرّ ليس أمراً نفسيّاً بل هو أمر نسبىّ أو قياسىّ . فعند قياس شئ إلى شئ آخر ينتج الأمر العدمي ، وما دام عدميّاً فهو لا يحتاج إلى علّة حتّى يتطلّب مبدأً فاعليّاً . وهذا هو معنى ما ذهب إليه الفلاسفة والحكماء من أنّ الشرور أعدام بالذات لا

--> ( 1 ) بداية الحكمة ، ص 312 . ( 2 ) السجدة : 7 . ( 3 ) النمل : 88 .